نشر فى جردية الشروق يوم  الخميس 3 يونيو 2021

يعد قانون نزع الملكية للمنفعة العامة أحد أهم أدوات الحكومة فى تخطيط المشاريع العمرانية وتنفيذها. فيتيح لها استثناء شراء الأراضى والعقارات التى تتعارض مع تنفيذ مشاريع لها نفع على قطاع واسع من السكان، بشكل إجبارى من مُلاكها بعد دفع تعويض عادل. هذا القانون ليس وليد المشرّع المصرى، وإنما تم استيراده من الدول الأوروبية مع تطور نظم الملكية الخاصة فى أواخر القرن التاسع عشر، وهو قانون خلق قدرا ليس بالقليل من الجدل فى العديد من الدول، من بينها مصر

.
الإصلاح التشريعى

نص دستورنا الجديد والذى تم نشره سنة 2014 على الحفاظ على الملكية الخاصة كغيره من الدساتير السالفة له. كما نص أيضًا أن فى حالات استثنائية يمكن للحكومة أن تنزع الملكية الخاصة من أصحابها مقابل تعويض عادل، وهو نص متكرر. ولكن اختلف عن دستورى 1971 و2012 فى تحديد تسديد التعويض مقدمًا، أى قبل إتمام عملية نزع الملكية وإخلاء الملاك للعقارات. دفع هذا التغيير مجلس النواب إلى إعادة مناقشة القانون ليتوافق مع الدستور، خاصة أن قانون نزع الملكية ييسر الطريق أمام الحكومة لتنفيذ «المشروعات القومية الكبرى ومنها شبكة طرق حديثة، ومشروعات المياه والصرف الصحى لخدمة المناطق المحرومة، ومشاريع الإسكان الاجتماعى التى تهدف إلى القضاء على العشوائيات» حسب تقرير اللجنة المشتركة بالمجلس. استفاد هذا الإصلاح أيضًا من برنامج الدعم الفنى من البنك الدولى لتحسين ترتيب مصر فى مؤشر ممارسة أنشطة الأعمال، وتحديدا فى فئة «حيازة الأراضى

».
وبالفعل تم تعديل القانون فى أبريل 2018، لينص على تسديد التعويض مقدمًا بالإضافة إلى عدد من الإصلاحات التى وقعت فى صف المُلاك. فمن بينها اشتراط تعليق نسخة من قرار نزع الملكية على العقار المراد نزع ملكيته، ففى نسخ القانون القديمة، اكتفى الإعلان عن نزع الملكية بالوحدات المحلية وبخطاب موصى بعلم الوصول. كما اشتبكت التعديلات مع مشاكل تدنى تقييم عقارات وعدم تقييم بعض الأضرار الأخرى الناجمة عن عمليات نزع الملكية، ولكن لا تغطيها التعويضات، عن طريق دفع 20٪ إضافية فوق قيمة العقار المحتسبة كتعويض معنوى. كذلك تم إلغاء شرط خصم أى رسوم مستحقة على العقار خاصة مقابل التحسين، والتى كانت تعقد أمور صرف التعويضات

.
صاحبت هذه التعديلات حزمة أخرى فى شهر سبتمبر 2020 انحصرت على المواد التنفيذية بالقانون. كان أهمها للمُلاك شرطًا يُلزِم سلطات نزع الملكية بإيداع القيمة المبدئية للتعويض فى حساب مصرفى حكومى يدر فائدة. ففى حالة دفع التعويض فى الوقت المناسب، تحتفظ السلطة بالفائدة المتراكمة. بينما فى حالة تأخر الدفع، يتم دفع الفائدة المستحقة للملاك المنزوعة ملكيتهم كتعويض على التأخر. كما تم تعديل صلاحية قرار النزع وزيادة مدته من سنتين إلى ثلاث سنوات، مما يمنح السلطات مزيدًا من الوقت للاستفادة من القرار

.
القانون الجديد لم يطبق
رغم أهمية هذه الإصلاحات فى تحسين تطبيق القانون، فإن مشاريع الطرق السريعة الأخيرة التى تطلبت نزع ملكية وهدم مئات المبانى أثارت الجدل حول التعويضات وضرورة تنفيذها. ففى مشروع محور ترعة الزمر فى الجيزة، حجب جزء من المحور العلوى واجهات العديد من المبانى، مما جعل الطوابق الأولى غير صالحة للسكن. رغم الضرر البالغ الواقع على هذه الوحدات، لم يشملها قرار نزع الملكية الأصلى المصاحب للمشروع لأنه اختص فقط بالعقارات التى تطلب نزع ملكية أراضيها

.
أما فى توسعة محور ترسا والطريق الدائرى بالقاهرة الكبرى، لم يتم تطبيق قانون نزع الملكية على غالبية العقارات التى يتم إزالتها. فتم فقط وعد الملاك والمستأجرين (الشاغلين) بتعويض ثابت قدره 40 ألف جنيه لكل غرفة صالحة للسكن، ما أثار شكوى السكان لكونه أقل بكثير من سعر السوق للمنازل. دافع وزير النقل لاحقًا عن هذا الموقف فى مقابلة تلفزيونية فى شهر فبراير الماضى أن هذا «التعويض الاجتماعى» المقدم كان أكثر من كافٍ للسكان لإخلاء الوحدات التى اعتبرتها الحكومة مبانى مخالفة ولا يستحقون أى تعويض. هذا رغم صدور قانون التصالح مع بعض مخالفات البناء والذى يسمح بتقنين أوضاع المبانى المخالفة والتعامل معها على أنها رسمية

.
بخلاف قلة قيمة التعويضات عن القيم السوقية للعقارات، وعدم تطبيق القانون نفسه، رصد نائب حى العمرانية شكاوى التأخير فى صرف التعويضات بالمخالفة للنصوص الدستورية. فى قسم آخر من محور ترسا، ناشد المُلاك الحكومة وقف نزع ملكية منازلهم. فلم يكن التعويض أقل من سعر السوق فحسب، بل لم تكن المبانى المقرر هدمها تضيف للطريق سوى 140 سم، وهى مساحة ضئيلة مقارنة بالمعاناة المطلوب من الأهالى تحملها، والمبالغ التى ستصرفها الحكومة لنزع الملكية

.
تعديل آخر على الطاولة؟
دفع تذمر المُلاك من نزع ملكياتهم النائب إيهاب منصور إلى تقديم طلب إحاطة بمجلس النواب فى شهر إبريل الماضى لوزراء التنمية المحلية والإسكان والنقل حول تباين آليات التعويض وعدم تطبيق القانون والتأخر فى صرف التعويضات. على إثره فتحت لجنة التنمية المحلية بمجلس النواب النقاش حول تعديل آخر لقانون نزع الملكية للتعامل مع المبانى المخالفة واحتساب تعويض لها، والتفرقة بين تعويض المُلاك وتعويض المستأجرين، وتوضيح آليات تقييم العقارات

.
خلق طلب الإحاطة مناخا إيجابيا للنقاش حول مشاكل قانون نزع الملكية، خاصة اقتراح تعديلات فى صف المُلاك. ولكن أظهر النقاش أيضًا كيف أن قانون نزع الملكية نفسه لا يمثل وحده المشكلة، بل يجب أن يُنظر إليه ضمن الإطار التشريعى الأكبر الذى يحكم أمن الحيازة والمشاركة المجتمعية فى تصميم وتنفيذ مشاريع التنمية العمرانية. فبالإضافة إلى التعديلات المقترحة عليه، يجب أن يتم توسيع نطاق القانون ليشمل أى أضرار تقع على مُلاك الأراضى والعقارات من تنفيذ المشروعات وليس فقط نزع ملكيتهم، وهو ما يسمى بالتعويض الجابر للضرر، مع وضع آلية تسمح لتظلم المُلاك من التعويض قبل التنازل عن العقار، تلزم عدم الإخلاء قبل التسديد الكامل للتعويض

.
كما يجب إصلاح السياسات والقوانين الحاكمة للتطوير العمرانى ومشاريع التنقل والمرافق لتحسين آليات المشاركة المجتمعية بها. فالكود المصرى لتصميم الطرق، الصادر بقرار من وزير الإسكان، يقترح فقط المشاركة المجتمعية فى مرحلة التصميم التفصيلى، ولا يوجد إلزام بالمشاركة به. هذا بالإضافة إلى تحسين مواد المشاركة بقانون البناء وتطبيقها فى عمل المخططات العمرانية

.
فيما يمكن لهذه الخطوات أن تبطئ من وتيرة تنفيذ المشاريع العمرانية، توجد مكاسب عدة لتطبيقها. أهمها التأكد من تنفيذ مشاريع مناسبة للسكان، مما ييسّر تنفيذها وقبلوها الاجتماعى. كما أن هذه المشاركة يمكن أن تقلل الاحتياج إلى نزع الملكيات، وبالتالى عبء الإنفاق على التعويضات. هذا بالإضافة إلى ضمان التعويض العادل حال الاحتياج إلى نزعها، مما يعزز الاستقرار الاجتماعى، ويرفع من شأن الدولة فى المؤشرات الدولية التى تقيّم سيادة القانون، وجودة الحياة. فهذه فقط أساسيات المنفعة العامة.